لماذ لا تستطيع الولايات المتحدة فك ارتباطها بالشرق الاوسط

د. خالد هاشم
مستشار المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية

لا شك أن تراجع أهمية الشرق الأوسط الاستراتيجية، بات من المسلمات في السياسة الامريكية، وهو التراجع الناتج عن الأحباط المتزايد من التدخلات الأمريكية على مدى أكثر من عقدين في هذه المنطقة المثقلة بالمشاكل والصراعات، فضلا عن أن الولايات المتحدة تواجه تحديات أكبر في مناطق أخرى من العالم وعلى رأسها منطقة جنوب شرق اسيا حيث العملاق الصيني، ومع ذلك فأن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لم تختف تماما، وأحتمال أن تؤثر مشاكل الشرق الأوسط على أمريكا إذا تركت دون علاج، هو أحتمال قائم كما حصل في السابق، خصوصا اذا ما سارعت الولايات المتحدة للخروج من الشرق الأوسط فقد تجد نفسها تتراجع عن ذلك الأنسحاب في ظل ظروف أسوء وبتكاليف أعلى في المستقبل.

من جانب أخر، صحيح الولايات المتحدة دخلت مجال الانتاج النفطي وأصبحت تمتلك كميات كبيرة من النفط والتي من المؤمل أن تجعلها أحد الدول المصدر له بعد عام 2030، الا أن دول الشرق الأوسط لا تزال على قمة ترتيب الدول التي تملك أحتياطيات ضخمة من الطاقة، تمنح ثروة كبيرة وسلطة لمن يسيطر عليها، وبالتالي، فأن الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط – وضرورة إبعاده عن الأيدي المعادية ستضل قائمة ومطلوبة.

النقطة المهمة الأخرى، هي أنه هناك بعض القضايا الملحة أبقت على الولايات المتحدة ضرورة انخراطها في الشرق الأوسط. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، كان لأمريكا مصلحة كبيرة في منع الإرهاب الدولي أو مكافحته، وجزء كبير منه كان ياتي من هذه المنطقة. فقد واجهت الولايات المتحدة العدوان على الدول الصديقة ومنعت انتشار أسلحة الدمار الشامل من قبل الدول المارقة أو الجهات الفاعلة غير الحكومية هناك.

كما كان هناك دائما مصلحة أمريكية في تعزيز السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط – مصلحة لم تكن أبدًا بنفس أهمية المصالح الأمريكية الأخرى، لكنها مارست قوة جذب قوية للسياسة الأمريكية، مما جعل من المستحيل على المسؤولين الأمريكيين تجاهل هذه المنطقة.

بماذا يخبرنا التاريخ.

خلال الحرب العراقية الإيرانية، دعمت إدارة ريغان صدام حسين كحصن ضد نفوذ طهران في المنطقة، لكن في الوقت نفسه، امتنعت الولايات المتحدة عن تواجد عسكري لقواتها على الشاطئ في الخليج العربي خوفًا من التحريض على تلك القوات وبالتالي تعرضها للهجمات الإرهابية، أو خوفا من الإساءة إلى الحساسيات المحلية، أو تشويه سمعة الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة هناك. بمجرد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، بدأ الأهتمام الأمريكي بالمنطقة يقل، ليتم إعادة تركيزها على أولويات أخرى، انعكس هذا التوجه الأمريكي بقيام صدام حسين بأجتياح الكويت، ساهم ذلك بتدخل هائل للولايات المتحدة لأستعادة التوازن الإقليمي الذي أختل، لكن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بعد عام 1990، كان محل قلق المسؤولين الأمريكيين لناحية جعل القوات الأمريكية هدفًا للجماعات الإرهابية التي عارضت التواجد الأمريكي في الخليج وعارضت في الوقت نفسه حكوماتها الاستبدادية، ذلك القلق كان مبررا عندما بدأت القاعدة في استهداف أهداف أمريكية في المنطقة وخارجها.

قدمت هجمات 11/9 دليلاً على أن مشاكل الشرق الأوسط يمكن أن تصل وتلامس الولايات المتحدة بطرق كارثية، فكان رد إدارة جورج دبليو بوش بالإسقاط الهائل للقوة الأمريكية في المنطقة، وركزت على هزيمة القاعدة، وإسقاط الحكومات المعادية في كل من أفغانستان والعراق، وبشرت بولادة الديمقراطيات المستقرة في المنطقة، وبالتالي تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى الأفضل، وعندما ثبت أن هذا المشروع أكثر تكلفة وصعوبة مما كان متوقعًا، سعت إدارة أوباما إلى الحد من أرتباطها بالمنطقة وفك ذلك الارتباط والتمحور في مناطق أخرى واعدة وأكثر حيوية ومصالح للولايات المتحدة، كمنطقة جنوب شرق اسيا.

ومع ذلك، حتى إدارة باراك أوباما، المتحفظة جدا على التدخل في شؤون منطقة الشرق الأوسط، لم تكن قادرًة على الخروج نهائيا منها، فقد أدت المخاوف الإنسانية في ليبيا إلى عمل عسكري هناك، كما ساهم الانسحاب الأمريكي من العراق والتقاعس في سوريا في الانهيار الإقليمي، الذي اضطر الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى إعادة التدخل للتعامل مع هذا التهديد الجديد والمتمثل ب”داعش”.

ما نريد قوله هنا وما يريد أن يخبرنا به التاريخ حول مستقبل الأرتباط الامريكي بمنطقة الشرق الأوسط هو أمرين:
الأول: من الصعوبة بمكان قيام الولايات المتحدة بالأنسحاب نهائياً من منطقة الشرق الأوسط من دون أن يكون هنالك عواقب لذلك الأنسحاب على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك لأن للولايات المتحدة مصلحة ملحة في هذه المنطقة، وفي مقدمة تلك المصالح الملحة هي تنامي النفوذ الروسي، وطموحات ايران في الهيمنة، وعودة المنظمات الإرهابية، وعدم الأستقرار السياسي والعنف الذي ميز هذه المنطقة من العالم، هذه كلها مشاكل حقيقية تواجه الإدارة الأمريكية الحالية، صحيح أن الولايات المتحدة تحاول أن تطلب من حلفائها في المنطقة أن يفعلوا أكثر للتعامل مع مشاكل المنطقة، لكنهم غير قادرين وبشكل واضح دون دعم أمريكي كبير.

الثاني: من المرجح أن تتبع عمليات الأنسحاب الأمريكي المتسرعة من المنطقة، عمليات إعادة متسرعة، لقد غادرت الولايات المتحدة العراق في عام 2011، وقد كادت أن تؤدي تلك الخطوة المتسرعة في المغادرة إلى إنهيار الدولة العراقية التي أصبحت على المحك، وبرزت “داعش” إلى الصدارة، وكان التدخل العسكري الطارئ للولايات المتحدة ضروريًا لإصلاح ذلك الضرر،. ولكن هذه العودة لم تستطيع اصلاح ذلك الضرر الناتج عن الانسحاب غير المسؤول من المنطقة.
وبالنتيجة، وما اريد قوله هو، إن أي أنسحاب أمريكي من المنطقة اليوم سيكون نتيجته هجومًا إرهابيًا كبيرًا. وبالتالي، فإن الضغط للعودة إلى المنطقة والقيام بعمل عسكري حاسم سيكو

Facebook Comments