الاتفاقيات التجارية … الحوار المطلوب

كتب دكتور / محمد أبوحمور
وزير مالية الاردن الاسبق

يشهد العالم اليوم صراعات بين القوى الاقتصادية الكبرى ويتضح ذلك جلياً في المجالين التجاري والتكنولوجي، ويبدو أن ذلك يأتي نتيجة لرغبة كل طرف في تحقيق مصالح ذاتية تمكن هذه الدول من الاستمرار في الهيمنة أو تعزيز القدرات التنافسية .


وفي الأردن ارتفعت خلال الفترة الأخيرة العديد من الأصوات التي تطالب بمراجعة أو الغاء أو إعادة تقييم الاتفاقيات التجارية التي وقعتها المملكة مع العديد من الدول والتكتلات الإقليمية والعالمية.

ولكي لا ننجرف الى التقييم العاطفي المؤدي الى قرارات مستعجلة تتخذ تحت الضغط دون دراسات تحدد المصالح الوطنية العليا وتأخذ في اعتبارها الاثار المتوقعة والنتائج المترتبة على القرارات المتخذة في المدى المتوسط والطويل لا بد أن ننطلق في نقاش هذا الموضوع بناءً على أسس علمية راسخة تعتمد البيانات وتحليلها وما يترتب على كل ذلك من نتائج ومخرجات على مستوى الاقتصاد الكلي والقطاعات الاقتصادية بما في ذلك الافاق المستقبلية للنمو والاثر على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم والى أي مدى يمكن أن تساهم القرارات والإجراءات في التغلب على المصاعب الهيكلية التي نعاني منها بما في ذلك تواضع نسب النمو وارتفاع نسب البطالة وهيكل القطاعات الإنتاجية وعلاقاتنا السياسية والاقتصادية مع الدول الشقيقة والصديقة.

من المتعارف عليه أن التجارة تؤدي دوراً محورياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتتيح للمواطن الحصول على السلع بأسعار معتدلة وبجودة مناسبة، كما أنها تساهم في الارتقاء بجودة المنتج المحلي لتمكينه من مواجهة المنافسة على الصعيدين المحلي والخارجي، وتدفع المنتجين الى مواكبة التطورات التكنولوجية والعلمية لتخفيض كلفة المنتجات ورفع جودتها للتمكن من الاستمرار في المنافسة .

كما أن الانخراط بشكل أوسع في التجارة العالمية يتيح الاستفادة من سلاسل القيمة العالمية والروابط المنتجة معها، والآثار الإيجابية المستقبلية، اعتمادا على توفير الظروف الملائمة لنمو اقتصادي يتسم بالتنوع، ويسهم في إيجاد فرص العمل والتأثير ايجابا على حياة المواطنين، خاصة وأن تحرير التجارة والانفتاح الاقتصادي أصبحت عناوين رئيسية للاقتصاد العالمي خلال العقود الثلاث الأخيرة ولم يعد الانغلاق على الذات خياراً.

كما أن مفهوم التجارة لم يعتد يقتصر على السلع فقط بل توسع ليشمل الخدمات والتمويل والاستثمار ليس هذا فحسب انما ايضاً امتد من خلال الاتفاقيات التجارية ليشمل مواضيع تتعلق بظروف العمل والحوكمة الرشيدة وحماية حقوق الملكية الفكرية وغيرها من الجوانب، فقد اصبح كثير من الاتفاقيات التجارية وسيلة ومدخلاً لهيكلة اقتصادية واسعة تحاول تأطير الاقتصادات العالمية ضمن نسق محدد.

تؤدي الاتفاقيات التجارية دوراً هاماً في تحسين مناخ الاستثمار وتساهم في تحفيز الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية ، وتمكن المنتجات المحلية من ولوج الأسواق العالمية بشروط تفضيلية تمكنها من المنافسة في تلك الأسواق، والأردن الذي يعتبر سوقاً صغيرة يمكنه أن يوسع من المدى المتاح أمام منتجاته عبر هذه الاتفاقيات.
وفي ظل الظروف السياسية والاضطرابات التي تسود الإقليم يمكن أن يتم العمل ليصبح الأردن مقصداً استثمارياً أساسياً للشركات الراغبة في الاستفادة من أسواق الإقليم وذلك نظراً لما تتميز به المملكة من استقرار ثبتت استدامته على مدى العقود.

باختصار يمكن القول إن اتفاقيات التجارة الحرة تشكل فرصة لتطوير الصناعات المحلية من حيث الكلفة والجودة وتتيح المجال لها للاستفادة من الخبرات الخارجية وتفتح أمامها أسواقاً تمكنها من توسيع انتاجها وزيادة صادراتها وجذب استثمارات اجنبية وهذا يساهم في ادخال عملات صعبة للأردن ما يؤثر ايجاباً على الميزان التجاري، ويولد مزيداً من فرص العمل، ولكن الفرصة ليست ضمانة بمعنى أننا بحاجة لتوفير الظروف الملائمة لاقتناصها والاستفادة منها ، وهي مهمة تقع على عاتق القطاعين العام والخاص ولا بد من تعاون الطرفين وتنسيق الجهود بينهما للاستفادة منها، فالمنتجات ذات الكلفة المرتفعة أو تلك التي لا ترتقي بجوتها لتتوافق مع المعايير المعتمدة لا تستطيع المنافسة في الأسواق الخارجية ولا حتى المحلية.

وفي نفس الوقت الذي نتحدث فيه عن الفرص والمزايا يجب أن لا يغيب عن أذهاننا التحديات التي تفرضها اتفاقيات التجارة الحرة ، فالدولة التي لا تستطيع ان توفر الظروف الملائمة لمنتجاتها السلعية والخدمية ستواجه صعوبات جمة قد تنعكس على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ،خاصة اذا تم توقيع الاتفاقيات دون النظر في اثارها المستقبلية على الاقتصاد المحلي، وقد تلجأ بعض الدول لسياسات إغراقيه ما يستدعي الانتباه لمواجهة مثل هذه المستجدات، وهذا يعيدنا الى المربع الأول وهو أي الاتفاقيات يمكن توقيعها وما هي المتطلبات والشروط الملائمة التي في ضوئها يمكن السير قدماً في هذا المجال، وهل يمكن إعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة أصلاً وما انعكاس ذلك على القطاعات الاقتصادية المختلفة وعلى البيئة الاستثمارية بشكل عام.

المنطق السليم يستدعي دراسة أي اتفاقية تجارية وتحديد أثرها على الاقتصاد الوطني وما يترتب عليها من نتائج قبل اعتمادها وعلى سبيل المثال اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا والتي بدئ العمل بها عام 2011 وانتهى سريانها قبل نحو عام ونصف، عرضت على الاردن عام 2003 إلا ان التقييم المسبق في ذلك الوقت أشار الى انها لا تخدم الاقتصاد الوطني، وعندما توقع دولة ما على مجموعة من الاتفاقيات التجارية فلا بد من توفر الية مؤسسية محددة لإدارة هذه الاتفاقيات ومتابعتها من حيث تقييم النتائج الفعلية المترتبة عليها مقارنة بما هو متوقع هذا من جانب ، ومن جانب اخر مدى التقدم في الاستفادة من الفرص التي وفرتها هذه الاتفاقية وما هي متطلبات تعزيز الاستفادة منها.

ومن واجب الحكومة أن تهيئ الظروف الملائمة لمنتجاتها السلعية والخدمية لتكون قادرة على منافسة المنتجات الأجنبية، ومن المناسب هنا ان تكون الجهتان بمستوى متقارب من حيث القدرات الاقتصادية، أو أن تكون هناك برامج واضحة لرفع مستوى المنتج المحلي ليتمكن من المنافسة بشكل ملائم، ومساعدته على تخفيض الكلفة وفق الإمكانات المتاحة، وتحسين جودة المنتجات لتتمكن من ولوج الأسواق خاصة تلك التي تشترط مواصفات محددة، وهي مسؤولية تقع على عاتق المنتج إضافة للجهات الرسمية، لكي نتمكن فعلاً من استثمار الاتفاقيات التجارية بالشكل المناسب، كما أن هناك حاجة لعمل دؤوب في مجال التسويق والتواصل مع الشركاء التجاريين وضمان بناء علاقة تعاون مستديمة معهم.

لغايات الانفتاح على الاقتصاد العالمي انضم الأردن الى العديد من اتفاقيات التجارة الحرة ومن أبرزها العضوية في منظمة التجارة العالمية في عام 2000، حيث تشمل هذه العضوية الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات والاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات واتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية، وفي عام 2006 دخلت اتفاقية إقامة منطقة التبادل التجاري الحر بين الدول العربية المتوسطية (أغادير) حيز التنفيذ حيث تهدف الى التكامل القطري للمنشأ فيما بين الدول الأطراف في الاتفاقية من خلال استخدام مدخلات إنتاج من منشأ أي من الدول الأطراف في اتفاقية أغادير أو دول الاتحاد الأوروبي أو دول الافتا وبما يحقق أهلية السلع المنتجة في هذه الدول لتحقيق قواعد المنشأ المطلوبة لغرض تصدير منتجاتها إلى سوق الاتحاد الأوروبي معفاة من الرسوم الجمركية في إطار اتفاقيات الشراكة التي ترتبط بها مع الاتحاد الأوروبي والتي وقعتها الأردن عام 1997 ودخلت حيز التنفيذ عام 2002.

تهدف هذه الاتفاقية إلى إنشاء منطقة تجارة حرة ما بين الاتحاد الأوروبي والأردن ووضع إطار شمولي لتوضيح العلاقات السياسية والتجارية والاقتصادية والمالية، ستوفر هذه الاتفاقية إمكانية دخول الأسواق الأوروبية دون دفع الرسوم الجمركية، ولكن الواقع يشير الى ان المنتجات الأردنية واجهت صعوبات جمة في الدخول الى الأسواق الأوروبية ومن أهم الأسباب لذلك قواعد المنشأ الأوروبية المتشددة، وتشير الأرقام الى أن دول الاتحاد الاوروبي استوردت من الاردن خلال عام 2109 ما قيمته 152 مليون دينار، وصدرت للأردن ما قيمته 2729 مليون دينار، هذا بالرغم من تعديل قواعد المنشأ الذي تم مؤخراً، أما اتفاقية التجارة الحرة مع دول رابطة الافتا فهي تهدف الى إيجاد إطار لتطوير وتنويع التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي وتسهيل الوصول إلى الأسواق الأوروبية، وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ عام 2002.

أما اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى فقد انضم الأردن لها عام 1998، وهناك عجز واضح في الميزان التجاري الأردني في اطار هذه الاتفاقية خاصة وان بعض الدول العربية تضع العديد من العوائق أمام المنتجات الأردنية.

كما أن هناك دول أخرى تستفيد من انخفاض اسعار الطاقة لديها لتصدير منتجاتها بأسعار منخفضة وبلغت صادرات المملكة خلال عام 2019 إلى دول منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى ما يقارب 1ر2 مليار دينار، وزادت قيمة المستوردات عن 5ر3 مليار دينار. أما العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية فتشكل أحد النماذج الناجحة للاتفاقيات التجارية للمملكة، حيث يرتبط الأردن باتفاقية تجارة حرة دخلت حيز التنفيذ عام 2001 واتفاقية أخرى “المدن الصناعية المؤهلة” .

ويشير الجانب الأمريكي الى “أن الهدف من اتفاقية التجارة الحرة يتجاوز تعظيم تجارة البضائع بين الدولتين، ليشمل تجارة الخدمات، تشجيع الاستثمار وخلق الوظائف، ومنذ توقيع الاتفاقية فقد أثبتت الأردن التزامها تجاه واجباتها المنصوص عليها لتطوير وتوفير بيئة تشريعية محفزة للتجارة والاستثمار، كما تبنت الأردن عددا من الاصلاحات القانونية والتنظيمية بهدف حماية حقوق الملكية الفكرية، تحسين معايير العمل والبيئة، ومعالجة اجراءات تسوية المنازعات” ، وقد استوردت الولايات المتحدة من الاردن عام 2019 حوالي 36ر1مليار دينار، وصدرت للأردن ما يقارب 14ر1 مليار دينار.

بلغت الصادرات الكلية للمملكة عام 2019 نحو 9ر5 مليار دينار، في حين كانت المستوردات تزيد عن 7ر13 مليار دينار، ما يعني ان العجز التجاري بلغ 8ر7 مليار دينار، ولكن من غير المنصف أن نعزو هذا العجز للاتفاقيات التجارية فهناك العديد من العوامل الأخرى والمتعلقة تحديداً بقدرة المنتج الأردني على المنافسة وارتفاع الكلف الإنتاجية في المملكة وغيرها.
ولكن لا بد من الدخول في حوار منتج بين القطاعين العام والخاص يتم خلاله تحديد المصاعب التي تواجهها الصادرات الأردنية وسبل التغلب عليها بالتعاون بين الطرفين، ولا بد ان يكون هناك راي للقطاع الخاص فيما يتعلق بالاتفاقيات التجارية وكيف يمكن الاستفادة من الفرص التي تتيحها ومواجهة التحديات التي تفرضها وذلك بناءً على دراسات علمية وموضوعية، ومن الجوانب التي لا بد من الالتفات لها موضوع المعاملة بالمثل وتلمس مطالب القطاع الخاص في هذا المجال .

 

كما لا بد من العمل على أعادة تقييم دوري للاتفاقيات ليس بالضرورة لإلغائها وانما لبحث أفضل السبل للاستفادة من الفرص التي توفرها، ويجب أن ندرك جيداً ان تحرير التجارة ليس هدفاً بحد ذاته وانما توفير الظروف الملائمة لجذب وتحفيز الاستثمارات وتوفير الفرص للمنتج الأردني للمنافسة محلياً وعالمياً وهذا بلا شك يتطلب ترتيب البيت الداخلي عبر الحوار والتواصل الفعال.

 

Facebook Comments